الشيخ محمد رشيد رضا
385
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تفسيرها مع ما هنا ، وحاسب نفسك ، وذكر غيرك ، ولا تجعلوا هذه الحكم البليغة حكاية للتسلية يهجو الكفار ، فإنما هي حقائق هادية للموعظة والاستبصار * * * ( 45 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ هذه الآية للتذكير بمقدار ظلم المشركين لأنفسهم وخسارتهم لها في الآخرة بتكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكفرهم بالقرآن ووعيده لهم وغرورهم بدنياهم الحقيرة مصداقا للآية التي قبلها ، قال وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي واذكر أيها الرسول لهم أو أنذرهم يوم يحشرهم اللّه - وهذه قراءة حمزة عن عاصم وقرأها الباقون ( نحشرهم ) بالنون أي نجمعهم ببعثهم بعد موتهم ونسوقهم إلى مواقف الحساب والجزاء كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة قليلة من النهار ريثما يعرف فيها بعضهم بعضا كأولي القربى والجيران ثم زالت ، فان الساعة يضرب بها المثل في قلة المدة . فالتشبيه بيان لحالهم في تذكرهم للدنيا . يعني ان هذه الحياة الدنيا التي غرتهم بمتاعها الحقير الزائل قصيرة ستزول بعذابهم أو موتهم ، وسيقدرون يوم القيامة قصرها بساعة من النهار لاتسع أكثر من التعارف القليل ، كما قال في آخر سورة الأحقاف ( 46 : 35 كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ) وفي سورة الروم ( 30 : 55 وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ) وفي معناها قوله تعالى في آخر النازعات ( 79 ) عن الساعة ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ) وفي آيات أخرى أن أهل الموقف يختلفون في هذا التقدير أي بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك « تفسير القرآن الحكيم » « 49 » « الجزء الحادي عشر »